عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

607

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ومثل هذا لا يكاد يخفى ؛ بل يظهر وينتشر ، كما وقع في هذا العام ، وربما يؤدي إِلَى أن يجعله كثير من الناس يوم النحر ، فتنحر فيه الأضاحي ، كما وقع في هذا العام أيضاً . وهذا من أبلغ الافتئات عَلَى الإمام وجماعة المسلمين ، وفيه تشتيت الكلمة ، وتفريق الجماعة ، ومشابهة أهل البدع ، كالرافضة ونحوهم ؛ فإنهم ينفردون عن المسلمين بالصيام والفطر وبالأعياد ، فلا ينبغي التشبه بهم في ذلك . ( وتحقيق ) ( * ) هذا : أن التقدم عَلَى الإمام بذبح النسك منهي عنه . كالتقدم عليه بالصيام ، والتقدم عليه بالدفع من عرفة ، والتقدم عليه بصلاة الجمعة . ولذلك منع طائفة من أصحابنا - كأبي بكر عبد العزيز - أهل الأعذار أن يصلوا الظهر يوم الجمعة حتى يصلي الإمام الجمعة . ولذلك تنازع العُلَمَاء : هل يجوز التقدم عَلَى الإمام بالذبح يوم النحر ، أم لا يجوز الذبح حتى يذبح الإمام نسكه ؟ وفيه قولان مشهوران للعلماء ولا خلاف بينهم أن الأفضل أن لا يذبح الناس حتى يذبح الإمام . وقال الحسن في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } ( 1 ) ، قال : لا تذبحوا قبل الإمام . خرَّجه ابن أبي حاتم . فإن قيل : أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عند وجود الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها أن يصلوا الصلاة لوقتها وأن يجعلوا صلاتهم معهم نافلة ، مع أن في ذلك افتئاتًا عَلَى الأئمة واختلافًا عليهم ؟ ولهذا كان بنو أمية يشددون في ذلك ويستحلفون الناس عند مجيئهم للصلاة أنهم ما صلوا قبل ذلك . ومع هذا فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في الوقت سرًّا ، وبالصلاة معهم نافلة لدفع شرهم وكفِّ أذاهم . وهذا يدل عَلَى أنه لا يجوز لأحد ترك ما يعرفه من الحق لموافقة الأئمة وعموم الناس ؛ بل يجب عليه العمل بما يعرفه من الحق في نفسه ، وإن كان

--> ( * ) تحقق : " نسخة " . ( 1 ) الحجرات : 1 .